عبد الملك الجويني
261
الشامل في أصول الدين
مدخول ، إذ للمعترض أن يقول : رطوبة أحدهما مع يبوسة الثاني يولدان التأليف بينهما مع المجاورة ، ولا حجة في قول من قال : الرطوبة لا تتعدى محلها . فإن مجاورة كل جوهر لا تتعداه إلى مجاورة غيره ، وولدت المجاورة مع ذلك التأليف . فإن لم يبعد ذلك في المجاورة لم يبق لاستبعاده وجه في الرطوبة واليبوسة . واستدل من شرط مع المجاورة رطوبة ويبوسة بأن قال : لو تجاوز جوهران على وصف اليبسي والجفاف لم يتألفا ، وإنما يتألفان ويلتزقان عند اختصاص أحدهما برطوبة واختصاص الثاني بيبوسة . ولو كان التأليف تولده المجاورة المحضة ، لوجب أن يتألف كل متجاورين ، وليس الأمر كذلك . وهذا ظاهر اللزوم على مقتضى أصولهم . وقد اضطرب كلام المعتزلة في ذلك . فالذي ارتضاه أبو هاشم أن كل متجاورين متألفان إذا تحقق التجاور بينهما . وهذا الذي ذكره طرد القياس من وجه ، ولكنه إفساد لعمدة المعتزلة وتعويلهم ، إذ عمدتهم في إثبات التأليف صعوبة التفكيك . فإذا زعم أبو هاشم أن كل متألفين متجاورين ، وكل متجاورين متألفان ، مع العلم أنه يصعب التفكيك في بعضها ولا يصعب في بعضها ، فلا يبقى مع ذلك لمثبتي التأليف شبهة . وكل سياق للمذهب كد على أصله بالإبطال ، كان باطلا . وأما المسألة الرابعة فتشتمل على ذكر اختلاف التأليفات وتجانسها ، وهذا مما اختلف فيه الجبائي وابنه . فقال الجبائي : التأليفات مختلفات إذا اختلفت جهات المتألف بها . وإذا أحاطت ستة من الجواهر بجوهر وتألفت الجواهر ، فتأليف المتوسط مع الأعلى يخالف تأليفه مع الأسفل ، وكذلك القول في جملة الجهات . وقال أبو هاشم : التأليفات متجانسة . واستدل الجبائي بأن قال : التأليفات تختلف في المناظر . ويفضل ذو الحاسة السليمة بين التأليفات الثابتة في جهة الطول ، وبين التأليفات الثابتة في جهة العرض . والذي ندركه من اختلاف المناظر يرجع إلى اختلاف التأليفات . وكذلك يفصل الناظر بين الأشكال ويدرك اختلافها في تألفها ، كما يدرك اختلاف الألوان والطعوم والروائح . واستدل أبو هاشم بأن قال : أخص أوصاف التأليف قيامه بمحلين ، وهذا مما تشترك فيه جميع التأليفات ومن حكم المشتركين في الأخص التماثل . ثم إنه اعترض على ما استدل به أبوه من قوله : الناظر يفصل بين المتألف طولا وبين المتألف عرضا . فقال : ليس يرجع هذا الفصل إلى اختلاف التأليفات ، وإنما يرجع إلى اتصال الأشعة المنبعثة من الناظر ، فإذا اتصلت بخط ماثل طولا بين يدي الناظر ، كان اتصال الشعاع بالخط طولا . وإذا كان الخط